ربما تشعر بالقلق إذا كان طفلك ذو الثمانية عشر شهراً لا يتكلم بعد. لكن، قد يكون السبب في ذلك أنه ببساطة ينمو بوتيرته الخاصة ويبلغ المعالم النمائية في الوقت الذي يناسبه، وهو أمر طبيعي جداً. إذاً متى يجب أن تكون قلقاً من تأخر النطق (قد يُعرف عن البعض أيضاً بــ تأخر الكلام أو عسر النطق) عند الأطفال؟ وما الفرق بينه وبين تأخر اللغة؟
قد يكون هذا التأخر علامة على شيء خطير. في هذه الحالة، التقصي والعلاج في وقت مبكر يتيحان أمامك فرصة منع أوجه العجز العاطفي، الاجتماعي والمعرفي ذات الصلة عند طفلك وتحسين تطوره ونموه بالشكل الصحيح.
في القادم من السطور نظرة عن كثب على تأخيرات النطق وماذا يمكن أن تعني إذا كان صغيرك ذو الثمانية عشر عاماً لا يتكلم.
إذا انتابك القلق بأن طفلك مصاب بتأخر (عسر) النطق، هناك علامات يمكنك البحث عنها، والأهم من ذلك، توجد عدة خطوات تستطيع اتباعها لمساعدته على تجاوز هذا العائق.
ما هو تأخر النطق؟
يعاني الطفل من تأخر النطق (Speech Delay) عندما لا يطور مهارات الكلام واللغة الخاصة به بالدرجة المتوقعة.
عندما يكون تطور الكلام عند الطفل أقل من المعتاد بشكل ملحوظ مقارنة مع الأطفال من نفس الفئة العمرية، يعتبر مصاباً بتأخر النطق، إذ تتقدم مهارات اللغة التي يكتسبها بشكل طبيعي، لكن بمعدل أخفض.
الفرق بين تأخر النطق وتأخر اللغة
على الرغم من استخدام هذين المصطلحين بشكل متبادل، فإنهما مختلفان في الحقيقة. النطق أو الكلام هو الفعل الحركي للتعبير اللفظي عن اللغة؛ هو الإنتاج اللفظي للغة. تأخر النطق هو حالة يجد الطفل فيها صعوبة في إنتاج الكلام.
اللغة هي استخدام الرموز للتواصل بين الأشخاص وتتضمن اللغة المتلقاة (فهم اللغة) واللغة التعبيرية (إيصال المعلومات).
يحدث تأخر اللغة عندما يواجه الطفل صعوبة في فهم اللغة أو التعبير عنها. فاللغة ليست ما يقال أو يسمع فحسب إذ يمكن أن تتضمن شكلاً مرئياً مثل ذلك المستخدم في لغة الإشارة.
قد يكون أحد هذين السببين أو كلاهما وراء عدم قدرة الطفل الصغير على الكلام.
إحصائيات تأخر النطق عند الأطفال
تشير الإحصائيات حول تأخر النطق (الكلام) عند الأطفال إلى أنه مشكلة نمائية شائعة نسبياً. إذ تؤثر على 3 إلى 10 بالمئة من الأطفال في عمر ما قبل المدرسة. كما أنه يشيع عند الفتيان بمعدل واحد إلى أربعة أضعاف من الفتيات.
يزيد وجود جميع عوامل الخطر التالية فرصة تأخر اللغة بـ 7.7 مرة وهي: تدني مستوى تعليم وثقافة الأم، أن يكون الطفل ذكراً ووجود تاريخ من اضطراب التواصل النمائي في العائلة.
قد تترافق المشكلات السلوكية مع اضطرابات اللغة. إذ يظهر 40-75% من الأطفال تحديات سلوكية ويشعرون بالإحباط بسهولة عندما لا يستطيعون التعبير عما يريدونه أو يحتاجون إليه.
المعالم النمائية للنطق عند الطفل
مع بدء الأطفال في تعلم الكلام، فإنهم يمرون تدريجياً بعدة مراحل:
- الأصوات الخفيفة (تشبه الهديل).
- الغمغمة أو التمتمة.
- تقليد الصوت .
- التكلم بلغة خاصة غريبة.
- استخدام الكلمات.
- مجموعات الكلمات.
فيما يلي أنماط تطور الكلام النموذجية:
العمر | معالم اللغة النمائية |
6 أشهر | أصوات تشبه الهديل استجابة للصوت |
9 أشهر | التمتمة أو الغمغمة |
11 شهراً | تقليد الأصوات وقول أشياء مثل “ماما – بابا” دون معرفة معناها |
12 شهراً | قول “ماما – بابا” مع معرفة ماذا تعني. تقليد كلمات مؤلفة من مقطعين أو ثلاثة مقاطع |
15 شهراً | مفردات محدودة بين أربع وسبع كلمات |
18 شهراً | مفردات مكونة من حوالي عشرين كلمة |
24 شهراً | أكثر من خمسين كلمة. القدرة على قول عبارات مؤلفة من كلمتين. يكون معظم الكلام مفهوماً عند الغرباء عن الطفل |
25 شهراً | معرفة أكثر من 400 كلمة. القدرة على قول عبارات تتألف من كلمتين أو 3 كلمات.يكون معظم الكلام مفهوماً عند الغرباء عن الطفل |
3 سنوات | معرفة كيفية استخدام الجمع والزمن الماضي. كلمات عن عدد الأشياء وتكوين جمل تصل إلى خمس كلمات |
4 سنوات | تكوين جمل من ثلاث إلى ست كلمات، بالإضافة إلى الأسئلة وسرد القصص. يكون الكلام سهل الفهم. |
5 سنوات | تكوين جمل طويلة مؤلفة من عدد من الكلمات يصل حتى الثمان كلمات. القدرة على تسمية الألوان، عد النقود.. إلخ |
علامات تأخر النطق في عمر الـ 18 شهراً
فيما يلي العلامات التي قد تشير إلى تأخر (عسر) النطق في حال بلغ الطفل عمر السنة والنصف دون أن يتكلم:
- لا يتمتم، يشير أو يومئ.
- لا يستخدم ثلاث كلمات على الأقل مثل ” ماما ” أو “بابا”.
- لا يمكنه الإشارة إلى أجزاء قليلة من الجسم عند سؤاله، مثل اليدين والرأس والقدمين.
- لا يفهم الأوامر البسيطة، مثل دحرج الكرة.
- لا يجيب على أسئلة بسيطة بالكلمات أو الإيماءات، مثل “أين حذاؤك ؟”.
- لا يستمتع بسماع القصص أو الأغاني أو أناشيد الأطفال.
- لا يمكنه استخدام سؤال أو جملة من كلمة أو كلمتين، مثل “أين ماما ؟” أو “باي – باي”.
- يواجه صعوبة في تجميع كلمتين معاً، مثل “المزيد من الحليب”.
- لا يمكنه تقليد أصوات الكلام المختلفة.
ما الذي يسبب تأخر النطق عند الأطفال الصغار؟
يحدث التأخر في النطق (عسر النطق) بسبب عوامل متباينة لدى مختلف الأطفال. لا توجد مشكلة أساسية واحدة وراءه. ومع ذلك، هناك بعض الحالات الشائعة التي يمكن أن تؤخر تطوير المهارات اللغوية. فيما يلي نظرة عن قرب على بعض الأسباب الأكثر شيوعاً.
تأخر البلوغ
غالباً، يتأخر العديد من الصغار في النطق نتيجة لتأخيرات في النمو. يحدث ذلك عندما تتأخر العملية العصبية المركزية المطلوبة لإنتاج الكلام، وتكون أكثر شيوعاً عند الفتيان وفي العائلات التي يتأخر فيها البلوغ.
لا يعاني غالبية هؤلاء الأطفال في النهاية من اضطرابات اللغة، ويكون لديهم تطور نطقي طبيعي بحلول الوقت الذي يدخلون فيه المدرسة.
فقدان السمع
تلعب القدرة على السماع دوراً مهماً في قدرتنا على الكلام، إذ تتأثر قدرة الطفل على النطق واستخدام اللغة بشكل فعال وفهم الآخرين في حال كان يعاني من ضعف في السمع.
قد تكون مشاكل السمع نتيجة لعيوب خلقية، ولكنها يمكن أن تكون مؤقتة أيضاً بسبب التهاب الأذن، على سبيل المثال.
يمكن أن يتسبب اضطراب المعالجة السمعية أيضاً في معاناة بعض الأطفال من فهم الكلام في البيئات الصاخبة.
الإعاقة الذهنية
وفقاً لأحد الأبحاث، فإن ما يقرب من 50% من تأخيرات (عسر) النطق/اللغة عند الأطفال ناتجة عن هذه الحالة.
الإعاقة الذهنية (المعروفة أيضاً باسم إعاقة التعلم العامة والتي كانت تسمى سابقاً بـ التخلف العقلي) هي ضعف ملحوظ في مهارات الطفل المعرفية ووظائفه التكيفية. تأخر النطق هو أحد الأعراض الشائعة للإعاقات الذهنية.
الاختلافات العصبية
يرتبط عدد من الاضطرابات العصبية بصعوبات في الكلام، بما في ذلك التوحد واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط والشلل الدماغي.
التوحد: هو اضطراب نمائي عصبي. من بين أعراض التوحد صعوبة تطور اللغة.
اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط: الاضطرابات اللغوية أكثر شيوعاً عند الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط. يمكن أن تؤدي قلة الانتباه والاندفاع إلى إعاقة فرص تعلم وممارسة مهارات اللغة المنطوقة.
الشلل الدماغي: يمكن أن يؤثر كل من صعوبة تنسيق أو استخدام عضلات اللسان، فقدان السمع، الإعاقة الذهنية المرافقة، أو الخلل في القشرة الدماغية على جوانب مختلفة من استخدام اللغة.
الحبسة الاستقبالية (Receptive aphasia)
تتميز الحبسة الاستقبالية بصعوبات في فهم اللغة المحكية، مما يؤدي إلى تأخر (عسر) النطق. على الرغم من إعاقتهم، يستجيب الأطفال الذين يعانون من الحبسة عادة للمحفزات السمعية غير اللفظية.
الحبسة التعبيرية (اضطراب اللغة التعبيرية)
يمكن أن يُظهر اضطراب اللغة التعبيرية، وهو اضطراب أقل شيوعاً، أعراض تأخر ظهور اللغة.
قد يكون لدى هؤلاء الأطفال معدل حاصل ذكاء طبيعي ومهارات تلقي اللغة وعلاقات عاطفية ومهارات التعبير. يبدو أن الخلل الوظيفي في الدماغ هو السبب الرئيسي لعدم القدرة على ترجمة الأفكار إلى كلام.
الحرمان النفسي، الجسدي والاجتماعي
يؤثر الحرمان البدني (مثل الفقر وسوء التغذية) والاجتماعي (مثل إهمال الطفل) تأثيراً سلبياً على تطور النطق عند الطفل.
الطفولة المبكرة هي الفترة الحساسة لتطور اللغة، والأطفال الذين يعيشون في ظروف مسيئة هم أقل استخداماً للتواصل اللفظي مع ذويهم، ويميلون إلى الإصابة باضطرابات النطق/اللغة ويفتقرون إلى أي مهارات اتصال لفظي في الحالات القصوى.
الصمت الاختياري (elective mutism)
يحدث الصمت الاختياري عندما لا يتحدث الأطفال في بيئات محددة، أي في المدرسة ولكن ليس في المنزل أو فقط مع أشخاص مألوفين. تترافق مشكلات النطق/اللغة مع الصمت الانتقائي غالباً، والذي يعد اضطراب قلق.
بيئة ثنائية اللغة
قد يعاني الأطفال الذين يعيشون في بيئة منزلية ثنائية اللغة من تأخيرات مؤقتة في تعلم اللغتين. ومع ذلك، فإن الأطفال الصغار ثنائيي اللغة لديهم فهم طبيعي لكلتا اللغتين في سنهم، وعادة ما يصبحون بارعين فيهما قبل بلوغهم الخامسة من العمر.
كم هو عدد الكلمات التي يجب أن يقولها الطفل ذو الثمانية عشر شهراً؟
كل طفل فريد وينمو بوتيرته الخاصة. لذلك، لا توجد قواعد صارمة وسريعة فيما يتعلق بعدد الكلمات التي يجب أن يقولها الطفل في هذا العمر. بشكل عام، يعرف الأطفال في سن 18 شهراً عشر كلمات على الأقل في قاموس مفرداتهم.
ومن المثير للاهتمام أن 18 شهراً تمثل أيضاً مرحلة الزيادة الهائلة في عدد الكلمات التي اكتسبها بعض الأطفال. من الطبيعي أن يكون لدى الطفل “انفجار لغوي” وأن تنمو مفرداته من عشر كلمات إلى مائتين وخمسين كلمة بين عشية وضحاها.
هل يلحق الأطفال المتأخرون في النطق بالركب؟
يمكن أن يحدث ذلك عند الكثير منهم ومن تلقاء أنفسهم أيضاً. بحلول الوقت الذي يكونون فيه جاهزين للمدرسة، سيكون ما يقرب من 70 إلى 80% منهم مساوين لأقرانهم فيما يتعلق بالنطق، بينما يستمر ما يقرب من 20 إلى 30% منهم في معاناتهم من القراءة، الكتابة واللغة.
مع ذلك، إذا كان تأخر نطق الطفل مرتبطاً بالاختلافات العصبية، فيجب التدخل والعلاج في أقرب وقت ممكن حتى لا يتطور إلى المزيد من صعوبات اللغة.
كيف يمكن للوالدين المساعدة؟
إذا كان صغيرك البالغ من العمر 18 شهراً لا يتكلم ويعاني من عسر النطق، فهناك بعض الأشياء التي يمكنك القيام بها لمساعدته في ذلك
استمر في الحديث معه
لا يساعد التحدث إلى طفلك أثناء الأنشطة اليومية على تعلم اللغة فحسب، بل يلعب أيضاً دوراً رئيساً في نمو دماغه. كلما تعرض طفلك للغة، كلما زاد عدد الكلمات التي من المحتمل أن يلتقطها.
يتحدث مقدمو الرعاية بشكل طبيعي إلى الأطفال بطريقة مختلفة عن غيرهم من البالغين، وقد وجد أن هذا النوع من “كلام الطفل” يلعب دوراً جوهرياً في تطوير اللغة.
الأهم من ذلك، لا تتحدث إلى طفلك فحسب، بل تحدث معه، كما لو كنت تجري محادثة بينك وبينه. وجدت الدراسات أن الانخراط في “ثنائيات الحوار” يمكن أن يساعد بشكل كبير في تحسين تطور كلام الطفل.
شجعه على اللعب التظاهري مع الأقران
وجد أن لعب الأدوار أو اللعب التظاهري (pretend play) مفيد في تطوير اللغة لدى الأطفال في عمر ما قبل المدرسة.
يمكنك دعوة العائلات الأخرى التي لديها أطفال صغار أو تسجيل طفلك في رعاية نهارية توفر الكثير من وقت الفراغ للأطفال للانخراط في اللعب التظاهري البسيط.
شجعه على تقليد الأصوات
تشير دراسة إلى أن الأطفال يتعلمون الكلام عن طريق تقليد الآخرين. شجع طفلك على تكرار مفرداتك لتعلم كلمات جديدة، وامدحه باستمرار وذلك لتعزيز جهوده.
هل يجب أن تقلق إذا كان صغيرك لا يتكلم في هذا العمر؟
عندما يتعلق الأمر بالمعالم التطورية، يتعلم الأطفال بوتيرتهم الخاصة غالباً، سواء المشي، التحدث أو التدريب على استخدام المرحاض.
من الطبيعي أن يصدر الطفل أصواتاً وليس كلمات، إذ يستخدم بعضهم الصراخ في هذا العمر بدلاً من الكلام، وعدم قول ذو الستة عشر شهراً أي كلمة ليس غريباً أيضاً.
لكن، قد يكون الأمر مقلقاً إذا كان طفلك البالغ من العمر 18 شهراً لا يتكلم على الإطلاق.
تأكد من طرح هذه المشكلة مع طبيبه عند الفحص المنتظم له والحصول على إحالة إلى أخصائي أمراض النطق واللغة للتقييم.
قد يساعد أيضاً ذكر ما إذا كان ابنك البالغ من العمر 18 شهراً لا يتكلم ولكنه يفهم كلماتك. ومن الضروري إجراء تقييم شامل عندما لا يستوفي الطفل معالم الكلام واللغة المتوقعة، إذ يكون التطور اللغوي غير الطبيعي غالباً أحد التجليات الثانوية لمشاكل جسدية ونمائية أخرى.
كلما كان التدخل مبكراً كان ذلك أفضل.
هل يساعد علاج النطق الطفل في هذه الحالة وهذا العمر؟
تشير الدراسات إلى أن علاج النطق يمكن أن يساعد الأطفال الذين يعانون من تأخر (عسر) النطق على التحسن بشكل كبير، خاصة عند التدخل المبكر. ومع ذلك، قبل تلقي علاج النطق، تأكد من مراجعة طبيب الأطفال ومعالج اللغة.
قد يختلف شكل أفضل نوع من العلاج، وذلك بناء على سبب عدم النطق، وبمجرد تحديده السبب ونوع العلاج الأمثل، ابحث عن معالج النطق المتخصص فيه.
اقرأ أيضاً: الفصام عند الأطفال، أعراضه، تشخيصه، أسبابه وعلاجه
اقـرأ أيضاً: التوحد عالي الأداء، التشخيص والعلاج
اقرأ أيضاً: كيف يتم علاج المصابين بـ التوحد؟
المصدر: What is a speech delay
تدقيق: هبة مسعود
تحرير: جعفر ملحم